مقال ما وراء "الحياة حُلوة"
كان يبدو أنّني أمارس رياضة المشي باتزّان وبخطٍّ مستقيم، لا أفكّر بشيء سوى أنّني أمشي، ثم أنتهي من المشي، آخذ قهوتي في حافظةالحرارة من السيارة وأعود لأجلس قبالة البحر، أتأمل قهوتي أنظر للسّماء رافعة رأسي لأعلى.. ماكان يحدث بدا جيّدا..
لكنني اكتشفت أن ما كان يحدث في الحقيقة ليس إلا محاولة تماسك إثر صدمات الفقد المُتتالية ... وهي محاولة من محاولاتٍ كثيرة منهاالتأمل والكتابة والقراءة لتفكيك تلك الصّدمات وفهمها... في آخر سنتين اختبرت الفقد بمختلف أشكاله موتًا، خسارةً، غيابًا، والذي كان لهالتأثير الكبير على روحي.
لقد آمنت بأن هناك أيّامًا ستجرّدنا حتمًا من كل شيء لنتعامل مع وجع لسنا على استعداد لمواجهته، حتى تسير مسألة النضج بشكلهاالطبيعي، وندرك معنى الحياة، فتحدث النقلات الروحية كي نكبر ويتسع المعنى بنا.
قد تنشأ الصّدمات من أي سبب مزعج وغير متوقع مثل صفعة تخدّر الخطوة وتطيل الطَريق. لا علاقة لها بالعمر فهي ممكنة الحدوث بأيوقت، تجثو بوحشيّة على الوقت وتسلب معناه لتصير محور حياتنا. ولا تعرف شيئًا سوى أن تأخذ بالتّمدد أكثر وأكثر حتى نفهم لغزها. عندماتحدث الصّدمة يبدأ زلزالٍ روحي. تتساقط معه الأفكار وتميل المسامير ويصبح ثقبها أوسع من أن يحمل برواز ثابت لصورة كنّا نؤمن بها،تخرج الجذور عن مسارها ويتضاءل الأمان الذي كنّا نألفه. ونظن أنه علينا أن نقاوم لتتماسك الأرض من تحتنا، فنقاوم ونبدأ بمرحلة الطّلاءالمشوّه لجدرانٍ مقشّرة، ننهمك بالعمل، نثق بأننا نعود للتوازن فتميل يدنا مجدّدا لتنثر الطّلاء ومعه تنتثر كل الأفكار، نعيد الكرّة مئات المراتإلى أن نستسلم ونقع أرضا ممددين نراقب السقف وندخل في دائرة السيناريوهات التي لا مفر منها، نجلد ذاتنا بها أو نجلد الآخر محاولينتصحيح موقف كنّا نتمنى أن ينتهي بطريقة أفضل مثل ما كنا نأمل. نبكي خوفنا، غضبنا، وجعنا، فوات اللحظة. نبكي لعنة الدائرةومعاناتها.
غالبا لا يشعر الغارق بشيء سوى الرغبة بالسّيطرة على التعقيد الذي يسكنه ليحاول النّجاة أو ليحاول التقليل من حدّة الألم الذي يواجهه. لكن في الحقيقة وعلى خلاف ما يتمنّاه تبدأ المقاومة بابتلاعه أكثر، و ما المقاومة سوى العدو اللدود للصدمة. لكن هذا ما يعرفه النّجاون وليسالغرقى.
أتذكّر هنا فيلم ومسلسل تطرّقوا فيه لموضوع الصّدمة بطرق مختلفة.
الأول:
كانت البطلة في فيلم طعام، صلاة، حُب للفنانة جوليا روبرتس في المشهد الأول تبحث عن السلام في بقعة بعيدة عن بلدها و جاء ذلك إثرنقلات حادّة في حياتها. و
بدايةً من انفصالها عن زوجها، ومن ثم انفصالها عمّن أحبته في المرة الثانية، تسعى البطلة لأن تجد تفسيرًا لما يجري في حياتها. تسعىلتجربة التشافي من خلال رحلة تبدأ بالتغذية في إيطاليا ثمّ التأمل في الهند وصولا للحب لالتئام جرحها و تشافي صدمتها في بالي. تطرقباب الوعي بكل ما تملك لتستطيع السيطرة على حياتها والوقوف مجدّدا. وكانت تحتاج الكثير لتصل لفكرة المسامحة لأجل نفسها لتتجاوزصدمتها المؤلمة من خلال اختياراتٍ كثيرة وتجارب أكثر.
الثّاني:
في المسلسل المصري "خلّي بالك من زيزي" والذي يتطرّق لموضوع المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD، نرى أبعادالصّدمة على جميع أبطال المسلسل و لفتني منهم الطبيب النفسي الذي يلجأ له المرضى وتلجأ له زيزي من الوجع والصدمات التي تعرضتلها في طفولتها. والذي نظن أنه يبلغ من الوعي ما يكفي ليعالج ويتجاوز ويساعد مرضاه. يجد نفسه بحاجة لصديقه الطبيب النفسي الآخرلينصت إليه و ليساعده بتفسير صدمته بفقد ابنه واعترافه بعقدة الذنب التي لم يستطع تجاوزها لسنوات طويلة.
جميعنا بحاجة بعض، هذا ما أفكر به، من مراسم العزاء، إلى نزهة بسيطة، مهما بلغنا من العلم والوعي والنضج. مثلما أننا جميعنا رسائللبعض. ما عرفته جيّدا أن الصّدمات ليست بالأمر الهيّن، إذ نخرج منها برضوض نفسيّة، وصور رماديّة ومظلمة عن ذواتنا. لاتكف الطّرقوالعبث بحياتنا إلى أن ندرك رسالتها لتمضي بسلام، نحتاج من نمسك يديه، من يرينا الطّريق أثنائها دون أحكام، للمساعدة والمحادثاتالتي تصب في إثراء الموقف، والصمت لإعادة صياغة الأحداث، للبكاء، للصراخ والمشي، الخطوات الكثيرة، والتّأمل، والمسامحة، لخلقمساحة نسكن بها لتحدث النّقلة الروحية في حياتنا.
ومنها نعرف، بعد تعبنا الطويل و تمدّدنا أرضًا ونظرنا للسقف طويلا بأن هنالك خطبًا ما ورسالة ما بكل مايجري من ألم لايطاق حدث إثرصدمة..
نعي بعد تحليل كل شيء أن ما علينا فعله هو استنباط رسالة الصدمة خطوة خطوة بمصافحة ذاتنا، واستعادة كل مافقدناه.
لا أعرف عدد اعتذاراتي لنفسي، لكن كانت كثيرة ولم يكن هنالك وقت كافٍ لمعرفتها حتّى أبطأت الخطوة وأخذت بمراقبة الصّدمة لفهم كيفيّةحدوثها، ومن أين تجيء بالتحديد، معرفة حجمها ولونها وصولا لوصفها بدقّة، للخروج منها دعاءًا وحُبّا راضية بكل ماكُتب من فقد، و ذلك لايعني خلّوي من الألم، لكن تعايشي معه وقبولي بأنني فقدت.
أصحو اليوم راغبة بتغيير نواياي جميعها لنوايا حُب بدلاً من الغضب والخوف و الألم المخزّن بالذاكرة. أستجمع شجاعتي لعمليّة استبدالٍمحمّلة بالبكاء والتّحرر من قيد ثقيل. أعرف بكل خليّة تسكنني أن هذا اليوم هو يوم ولادة جديد. و أعي جيدا أن رحلة قبول الصّدمة أيّا كانشكلها، هي أصعب ما يمر به المرء ويحتاج الكثير من الحُب الذاتي ليصل له أخيرًا. ومنه فقط تبدأ رحلة التّشافي من الصّدمات وملامسةمعنى الحريّة من جديد.
أعود للسيارة، أشغل أغنية
"الحياة حلوة بس نفهمها"..
وأضحك على مجهود الفهم الذي نبذله من أيّامنا لنستحق حلاوة الحياة..
-سارة الظفيري


تعليقات
إرسال تعليق